حسن بن موسى القادري
228
شرح حكم الشيخ الأكبر
واعلم أن المحبّة هي مطايا القوم ، وطريقهم الأقوم الذي به بلغوا إلى المنازل العالية ، والمراتب السامية فإنها أصل الوجود ، وقوت القلوب ، وغذاء الأرواح ففازوا بشرف الدارين ، ونالوا بها الحسنيين الأحسنين ، وبها قدروا على خلع النعلين ، والخروج عن القوتين ، وهي التي لا تزيدها الحدود إلا الخفاء كالوجود عند أهل الصفا وجودها هو حدّها ، وما قيل فيها : فمن جهة أسبابها وموجباتها وعلاماتها وشواهدها وتمراتها وأحكامها لا بحسب حقيقتها ؛ إذ ليس لها وصف أظهر من نفسها فهي كالعشق ذات صرفة ، بل هي مرتبة من مراتب المحبّة على ما قال بعضهم : بأن لها عشر مراتب العلاقة والصبابة والغرام والوداد والشغف والعشق والتيم أي : التعبد والتذلل يقال : تيّمه الحب أي : ذللّه وعبّده ، والتعبد الصوف والخلة ، فعلى هذا القول : العشق سابع مراتب المحبّة . وعلى قول الشيخ الجيلي : « المحبّة سابع مراتب الإرادة ومظاهرها ، فالمحبة بحسب اللغة لها خمسة معاني الأول الصفاء والبياض يقال : لبياض الأسنان ونضارتها حبب الأسنان ، والثاني العلو والظهور ومنه حباب الماء ، والثالث اللزوم والثبوت يقال : حبّ البعير وأحب إذا برك ، واستقر في موضعه ، والرابع اللبّ يقال : حبه القلب أيّ : لبه ولب الشيء خلاصته ومادته ، والخامس الحفظ يقال : للوعاء الذي يحفظ فيه الماء مثلا حب الماء » . ولها بحسب الاصطلاح أقوال تبلغ إلى ثلاثين قولا أجمعها ما قاله الجنيد البغدادي قدّس سرّه : « الذهاب عن النفس ، والاتّصال بذكر الرب ، والقيام بأداء حقوقه ، وحصر النظر بالقلب إليها ، والموصوف بها من أنوار الهيبة أحرق قلبه ، ومن كأس المودة صفى شرابه فانكشف الجبار من غيب الأستار لأجله ، فإن تكلم فباللّه ، أو نطق فعن اللّه ، أو تحرك فبأمر اللّه ، أو سكن فمع اللّه فهو في جميع الأحوال باللّه للّه مع اللّه من اللّه إلى اللّه » . وقال أبو يزيد قدّس سرّه : « هي استقلال الكثير من نفسك ، واستكثار القليل من حبيبك ، وقريب منه ما قيل : إنها استكثار القليل من الجناية ، واستقلال الكثير من الطاعة » . وقال سهل رضي اللّه عنه : « إنها معانقة الطاعة ، ومباينة المعصية » . وقال أبو عبد اللّه القرشي : « أن تهب كلّك لمحبوبك ، فلا يبقى لك شيء » ، وقال الشبلي قدّس روحه : « أن تمحو من القلب ما سوى المحبوب » .